Hit (4846) M-2137

Farabiden Afganiye Peygamberlik Nazariyesi (Peygamberlik Sanatlardan Bir Sanattır Sözünün Kökeni)

Yazar Adı : Cemaleddin el Afgani İlim Dalı :
Konusu : Dili : Arabça
Özelliği : Makale Türü : Yazar Tanıtım
Ekleyen : Fıkıh Dersleri/2014-01-03 Güncelleyen : /0000-00-00

نظرية النبوّة من الفارابي إلى الأفغاني

في القرن الثالث الهجري تصاعد تيار إلحادي مخالف للعقيدة الإسلامية، لاسيما تجاه النبوة والقرآن.
ومن أبرز أقطاب هذا التيار هما: ابن الراوندي وابن زكريا الرازي. الأول كان معتزليا ولكن بسبب أفكاره المنحرفة تم طرده من مذهب الاعتزال فى البصرة. إذ حسب تصوره: أن الهداية إنما هي للعقل وحده، وما بعثة الأنبياء والرُسل إلا نافلة كفانا الله إياها.
أما البلاغة والإعجاز فى القرآن فإنه ليس بالأمر الخارق العادة. كما نص فى كتابه "الزمرد" وكذلك فى كتابه "الفريد" حول النبوة.
أما الثانى فيحذو على منواله معتبراً أن العقل هو المرجع فى الأمور الدينية والإلهية والحياتية والدنيوية. ولذلك علينا أن "لا ننزله عن درجته، ولا نجعله محكوماً عليه". كما جاء فى كتابه: "الطب الروحاني".
فالعقل عنده هو الحاكم والمتبوع، حيث لا سلطة تقع خارج نطاق العقل سواء أكانت دينية أو نبوية. وفى كتابه "مخاريق الأنبياء" يحاول أن يظهر التناقضات بين الأديان، ومنها: "زعم عيسى أنه أبن الله، وزعم موسى أنه لا أبن له، وزعم محمد أنه مخلوق كسائر البشر".
وأول رد فعل فلسفي قائم على أُسس عقلية يدحض فيها ركائز هذا التيار الإلحادي جاء على يد أبي نصر محمد الفارابي "257-339ه/870-950م". حيث تصدى له وجابهه بقوة عقلية خالصة دونما أن يتناول شيئاً من آيات القرآن أو الأحاديث النبوية. وبذلك كان عمله بمستوى الحجة التي اعتمد عليها الملاحدة.

نظرية الفارابي
في نظريته التوفيقية بين الدين والفلسفة يرى الفارابي أن النبوة ليست أمراً خارقاً يعلو فوق الطبيعة العادية. وإنما هي مجرد ظاهرة مثل باقي الظواهر الطبيعية الأخرى. فالنبي إنسان قد بلغت قوته المتخيلة درجة الكمال ليس إلا.
ويشير فى كتابه: "المدينة الفاضلة" صفحة 93 وما بعدها، إلى أن "القوة المتخيلة" إذا كانت فى إنسان ما قوية كاملة، وكانت المحسوسات التى ترد عليها من خارج لا يستولى عليها استيلاء بستغرقها بأسرها، ولا تسخرها للقوة الناطقة وحدها، بل كان فيها مع اشتغالها بهذين فضل كثير تفعل به أيضاً أفعالها التى تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين فى وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منهما فى وقت النوم - أقول: إذا حصل ذلك لإنسان ما، فى قوتيه الناطقة والمتخيلة، كان هذا الإنسان هو الذى يُوحى إليه بواسطة العقل الفعال، حيث يتلقى صاحبها فى يقظته الجزئيات الحاضرة والمستقبلية أو محاكياتها من المحسوسات، ويتلقى محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة فى العالم الأعلى ويراها معاينة فيكون له بما تلقا من المعقولات نبوة بالأشياء الإلهية وإنذار بما سيكون وإخبار بما هو كائن من الجزئيات. فهذه هى أكمل المراتب التى تنتهى إليها القوة المتخيلة وأكمل المراتب التى يبلغها الإنسان بقوته المتخيلة.

ويمكننا أن نوجز مراحل هذه النظرية على الشكل التالي:
1- مخيلة الإنسان التي تكون في قوة كاملة لاستقبال الوحي.
2- تتصل القوة أعلاه بالعقل الفعال "وهو كرة القمر حيث الفيض الفردي للعقول عبر الفيض الإلهي لها" فتنعكس عليها صور كمالية.
3- تعود تلك الصور لترتسم في الحواس الخمس المشتركة.
4- يمكن للقوة الباصرة بعد ذلك من مشاهدة الصور الإلهية والوحي على حالتها الراقية وحقائقها الشريفة دون فاصل أو حجاب.
5- إرجاع عكسي لهذه الصور العلوية لترتسم فى القوة الباصرة ثم انعكاسها على الحاسة المشتركة ومنها إلى القوة المتخيلة.
6- وبهذا القوى المتصلة مع بعضها الآخر يكون هناك انشداداً كلياً نحو العقل الفعال حيث استقبال الوحي السماوي.
هكذا هو رأى الفارابي في تفسير النبوة. فالنبي إنسان قد وهبه الله وخصه في مخيلة ذات قوة هائلة لكي يكون بمقدوره الإطلاع على ما فى اللوح المحفوظ، وأن تكون له صله بالعالم العلوي فى مختلف الظروف والأوقات. فالإنسان: "كما نص فى "السياسة المدنية" ص 79-80" إنما يوحى إليه إذا كان لم يبق بينه وبين العقل الفعال واسطة. فأن العقل المنفعل يكون شبه المادة والموضوع للعقل المستفاد والعقل المستفاد شبه المادة والموضوع للعقل الفعال. فحينئذ يفيض من العقل الفعال على العقل المنفعل القوة التى بها يمكن يوقَف على تحديد الأشياء والأفعال وتسديدها نحو السعادة.
فهذه الإفاضة من العقل الفعال إلى العقل المنفعل بتوسط العقل المستفاد ثم إلى القوة المتخيلة هو الوحي. فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيماً فيلسوفاً ومتعقلاً على التمام، وبما يفيض منه إلى قوته المتخيلة نبياً منذراً بما سيكون ومخبراً بما هو كائن الآن من الجزئيات. وهذا الإنسان هو فى أكمل المراتب الإنسانية وفى أعلى درجات السعادة.
معنى هذا أن مصدر المعرفة هو واحد لكل من النبي والفيلسوف. حيث كلاهما يتلقى معارفه من "العقل الفعال".
وما الفرق هنا إلا أن الأول يتلقى الحقائق عبر قوته المتخيلة. بينما الثاني يستلم معرفته باعتبارها حقائق خالية عن قوة متخيلة. إذ بالنسبة إلى الفيلسوف لا يحتاج إلى القوة المتخيلة لأنه يسعى ويكافح بالعقل الفردي له لكى يكشف سبر غور المعارف. أما النبى فيحتاج لها نظراً لمخاطبته إلى العامة من الناس وهؤلاء يستهويهم الاستعارات والتشبيه من خلال الصور المادية المحسوسة.
صحيح أن الفارابى قد أقر بمنزلة النبى كونها أعلى وأكمل من منزلة الفيلسوف، إلا أن تفسيره العقلى الذى أرضى به الفلسفة، فأنه قد لا يرضى الدين. لأنه قد جعل النبوة تكون مقتبسة لإنسان ما أكثر من كونها اصطفاء إلهى خاص.
وهذا التقريب أو التوفيق بين الدين والفلسفة التى امتازت بها الفلسفة الإسلامية قد أخذتها من الافلاطونية المحدثة. بيد أن هذا لا يمنع من القول بأن الفارابى قد تناول مسألة معقدة وحساسة، ألا وهى نظرية النبوة التى لم يتطرق لها أحد من قبله. بل أن هذه النظرية التى جاءت رداً على التيار الإلحادي، تعتبر أجمل عرض عقلى لأكبر فلاسفة الإسلام قاطبة.

نظرية ابن سينا
لم يختلف أبن سينا فى نظريته عن الفارابى إلا فى مسألة "القوة المتخيلة" حيث لم يجعل كمالها شرطاً فى تحقيق النبوة. بل أن قوة صفاء النفس التى تشتعل حدساً وتتصل بالعقل الفعال هى "قوة قدسية". كما وأنها ليست فقط ضرب من النبوة، لكنها "أعلى مراتب القوى الإنسانية" حسب تصوره.
وهكذا تشعب وأسهب أبن سينا فى نظريته النبوية، حيث لم يكتفى أن يجعل من قمة الكمال الإنسانى للنبى محصوراً فى العقل المستفاد.
وإنما وضع له طريق الحدس. فالمعرفة الحدسية تؤدى إلى العقل القدسي، وهذا يعنى الوصول إلى درجة النبوة. لأن النفس لها طريقين يمكنها من خلالهما أن تصل إلى الحقائق وهما: الفكرة والحدس.
وذلك يكون حسب قوة استعداد النفس. فالطريق الأول تنتقل النفس بين المعانى المخزونة فى الباطن مستعينة بواسطة التخيل حيث تحاول الوصول إلى المعنى المطلوب من خلال المقدمات المنطقية. أما الطريق الثانى فإن النفس تحاول الوصول إلى العلوم بشكل مباشر دونما أن تستعين بشيء من تلك المقدمات المنطقية ويكون لها ذلك بالاتصال مباشرة إلى العقل الفعال. وهذا الطريق يعتبر من أفضل الطرق على الإطلاق لإدراك أمور العالم العلوي. "النجاة، ص 272".
أما مراحل تلقى النبى إلى الوحى فيمكن اختزالها إلى النقاط التالية:
1 - تفيض العلوم الإلهية على لوح قلب النبى مباشرة.
2 - تلتقف قوة التخيل ذلك الفيض وتتصوره بالحروف والأشكال المتنوعة.
3- تنتقش تلك الصور والعبارات على لوح النفس الصافي.
4 - حينئذٍ يتم للنبى مشاهدة الوحى باطنياً، حيث يسمع كلاماً منظوماً وشخصاً بشرياً.
5- ويكون هذه الإلقاء بلا زمان محدد.
ولكى يقرب أبن سينا أمر النبوة إلى العقل الإنساني، فأنه ركز فى نصوص كثيرة على مسألة التجربة والقياس. حيث أن "التجربة والقياس متطابقان على أن للنفس الإنسانية أن تنال من الغيب نيلاً ما، فى حالة المنام؛ فلا مانع من أن يقع مثل ذلك النيل فى حال اليقظة". "الإشارات، ص 861-862". لأن الجزئيات منقوشة فى العالم العقلى على هيئة كلية، وفى العالم النفساني على هيئة جزئية.
وللنفس أن تنتقش بنقش ذلك العالم بحسب الاستعداد وزوال الحال. فلا تستنكرن أن يكون بعض الغيب ينتقش فيها.
هذا ويرى أبن سينا بأن النبى واجب إنساني. حيث أن مجرى الأمور الحياتية لا يمكن لها أن تتم وتستقر بدون وجود نبى يجعلها تستمر على أكمل وأفضل وجه. فالإنسان يختلف عن الحيوان ذلك لكونه لا يستطيع أن يحيا حياة فردية منعزلة عن الآخرين.
ونتيجة لذلك فقد توجب عليه الأمر أن يعيش مع أناس يشاركونه على متطلبات الحياة مما أدى إلى عقد المدن والاجتماعات. أنه واجب ضروري للإنسان بأن يكون فى بقاء من مشاركة.
ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، ولا بد فى المعاملة من سنة وعدل, ولا بد للسنة والعدل من إنسان يخاطب الناس ويلزمهم السنة ويحقق العدالة بينهم، ويجب أن يكون لهذا الإنسان خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعروا فيه أمراً لا يوجد لهم فيتميز به عنهم، فتكون له المعجزات.
وهذا الإنسان النبي إذا ظهر بين أمة ما توجب عليه أن يذكر الناس على أصول الدين وتعاليمه وعقائده دونما أن يتشعب فى دقائق الجزئيات التى ليست بمقدورهم أن يدركوا فهمها.
والسبب فى ذلك لكيلا يعظم عليهم الشغل ويربكهم فى تشويش ما بين أيديهم من كليات يعرفونها. وبالتالى يعرضهم للوقوع فيما لا يتمكن من تسهيل صعابه.
إلا من يشذ وجوده ويندر كونه.
وعندها تتكاثر الشكوك والظنون وتتعقد الأمور على اللسان لكى يضبطهم.
يقول ابن سينا أن: النبى ليس مما يتكرر وجود مثله دائماً، لأن المادة لتى تقبل كمالاً مثله لا يمكن لها بأن تقع فيها الامتزاج فى كل وقت، وإنما فى وقت قليل ونادر. فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبر البقاء إلى ما يسنه ويشرعه فى أمور المصالح الإنسانية وفق تدبير لا ينتهى مع انقراض القرن الذى يليه. بل يظل مستمراً فى مدد متقارب، فلا يكاد ينفسخ حتى يلحق عاقبه ويخلفه نبي جديد آخر. "النجاة، ص 303 وما بعدها".
ويقول ابن سينا أيضاً فى "الإشارات" بأن: كل نبى يتميز باستحقاق الطاعة ويجب أن يكون له ذلك. كما وأن استحقاق الطاعة هذه لا تكون إلا وفق خصوصية يمتاز بها النبي عن بقية الناس. فمثلاً على ذلك فى الآيات التى تدل على أنها من عند ربه، تلك هى معجزاته.
ولا تنتظم الشريعة دون أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند القدير الخبير. وذلك يتضمن معرفة المجازى والشارع.
وهذه المعرفة الضرورية لا تثبت ولا تستقر إلا إذا كان معها سبب حافظ لها.
ومن هنا فرضت على الناس العبادة المذكرة بالمعبود وكررت عليهم فى أوقات متتالية كالصلوات وما يجرى مجراها وذلك ليستحفظ الشارع التذكير بالتكرير ولكى يزول احتمال النسيان.
إن ما يذهب إليه أبن سينا فى شخصية النبي ودوره كواجب إنساني فى هداية الناس وتذكيرهم بالرب. هى إضافات فكرية نابعة من عقيدته الإسلامية، فجعلت نظريته ذى نكهة خاصة. ولكنه مثل الفارابي، حيث أن نظريته أيضاً فيها أفكاراً نابعة من أفلاطون وأرسطو وأفلوطين من جهة. ولم يرض الدين تماماً من جهة أخرى. لاسيما وأنه لم يكترث إلى الجزئيات فى الدين من عبادة وطقوس وشعائر وغيرها. فهو يتعامل مع الدين من جانب كلي، ولذلك كانت نظريته بأن تنظر إلى النبوة على أنها من الكليات التى كان يفكر بها.

موقف المعري
رغم أن أبا العلاء المعرى "362-449ه/973-1057م" لم يضع نظرية فلسفية خاصة بالنبوة كما فعل الفارابى وأبن سينا. إلا أنه ساهم فى التصدي للتيار الإلحادي وكتب فى "رسالة الغفران" قائلاً: "وأما ابن الراوندى فلم يمكن إلى المصلحة، فأما تاجه "كتابه" فلا يصلح أن يكون نعلاً، ولم يجد من عذاب وعلاً، ويجوز أن يُنظم عقارب، فما كان المحسن ولا المقارب". ويرى المعرى بأن العقل الإنساني بمثابة "نبي" الذى به يستقبل الوحي ويرشد بالإنسان نحو الصراط المستقيم. ولهذا على كل إنسان أن يسأل عقله ويشاوره فى كل شيء:

أيها الغر إن خُصًصتَ بعقلٍ
فاسألنهُ فكل عقلٍ نبي
- فشاور العقل واترك غيره هدراً
فالعقل خيرُ مشير ضمّه النادي
إن الله الذي خص الإنسان بعقل هو بمثابة النبي الذي يمكن الرجوع إليه في التصديق أو التكذيب للأخبار والأحاديث لاسيما الغيبية منها. فكل قول أو خبر لا تؤيده حجة عقلية علينا أن لا نتقبله. مثلاً على ذلك فيما يقولونه عن تناسخ الأرواح:
يقولون إن الجسم تُنقل روحُه
إلى غيره حتى يهذبها النقلُ
فلا تقبلن ما يُخبرونك ضلّة
إذا لم يُؤيًد ما أتوك به العقلُ
وليس جسومٌ كالنخيلِ وأن سما
بها الفزع إلا مثلما ثبت البقلُ
وبما أن العقل هو النبي للإنسان الذي يحسن معرفة استعماله، فأن العقل يعتبر أيضاً "إمام" حيث يرشده ويقوده نحو الصواب ويجنبه "كذب الظن". ويعترف المعرى علانية قائلاً: "ما إمامي سوى عقلي".
إن إقرار المعرى بنبوة العقل في معرفة الغيب من مبدأ الأحكام على صدقها، فأنه يقر كذلك على إمامة العقل فى تلك الأحكام والقرارات:

يرتجى الناسُ لأن يقوم إمامٌ
ناطق في الكتيبة الخرساءِ
كذب الظًن لا إمام سوى العقل
مشيراً في صبحهِ والمساءِ
فإذا أطعته جلب الرحمة
عند المسير والإرساءِ

هذا وعلينا أن نكون حذرين فى فهم موقف المعرى تجاه النبوة. فهو يؤمن بأن النبى محمد "صلى عليه الله" قد دعانا "إلى خير الأمور". لكنه أيضاً يقول: "ولا تحسب مقال الرُسل حقاً، ولكن قولُ زورٍ سطروُه". كما وأن "الشرائع ألفت بيننا" فأورثتنا العداوة والبغضاء. وهنا أي الاتجاهين نتبع؟ وأين تكمن حقيقة موقف المعري؟
بالاختصار الشديد أن المعرى ليست لديه قاعدة فكرية ثابتة ولا منهج فلسفياً يلتزم به، فهو شاعر وشكاك وصاحب عاهة أثرت عليه ظروف الحياة المضطربة سياسياً واجتماعياً وفكرياً، مما جعلته أن يعتكف فى بيته قرابة النصف القرن، فأطلق على نفسه "رهين المحبسين" البيت والعمى. ولذلك طغىت على أشعاره وأفكاره صبغة تشاؤمية غالباً ما يساء فهمه. لأنها تعكس حالته النفسية الحساسة التى عانت كثيراً منذ طفولته، ولا تعكس موقفه العقلى المتبصر بالأمور. بدليل عندما تجتاحه شحنة تفاؤلية نجده يكشف عن حقيقة موقفه تجاه وحدانية الله والنبوة والحياة والبشر.

فالهلال المنيف والبدر والفرقدُ
والصبح والثًرى والماءُ
والثريّا والشمس والنار والنثرة
والأرض والضحى والسماءُ
هذه كلها لربًك ما عابَك
في قول ذلك الحكماءُ

رأي الغزالي
لم يكتب الإمام أبو حامد محمد الغزالي "450-505ه/1058-1111م" نظرية معينة تبحث فى النبوة رغم مؤلفاته الفلسفية الكثيرة. إلا أن أرائه فى هذا الأمر جاءت موزعة فى طيات كتاباته لاسيما فى "المنقذ من الضلالة" و "تهافت الفلاسفة". حيث أشار إلى منزلة الأنبياء وكيف تكون "حقيقة النبوة". بيد أن أقواله لا تنطلق من رؤية عقلية كما هو شأن الفارابي وأبن سينا والمعري، بل تنبع من نظريته الصوفية. حيث من لا يسلك طريق التصوف، "فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم". أن كرامات الأولياء هى على التحقيق بدايات الأنبياء وكان ذلك أول حال النبي محمد "ص" حين أقبل إلى غار حراء عندما كان يخلو بربه ويتعبد حتى قالت العرب: "أن محمداً عشق ربه".
وحسب رأي الغزالي أن الإنسان خُلق خالياً ساذجاً لا خير معه من عوالم الله. إنما خيره من تلك العوالم من خلال الإدراك الحسيً ومن خلال الإدراك العقلي. كما وأن العقل طوراً آخراً تنفتح فيه عين أخرى يُبصر بها الغيب وما سيكون فى المستقبل. وقد قرب الله على خلقه بأن أعطاهم نموذجاً من خاصية النبوة وهو النوم. ذلك أن النائم يدرك ما سيكون من الغيب أما صريحاً وأما فى كسوة مقال يكشف عنه التعبير.
وإذن فإن النبوة عبارة عن طور يحصل فيه عين يظهر فى نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل. ودليل إمكان وجودها وجود معارف فى العلم لا يُتصًور أن تُنال بالعقل كعلم الطب والنجوم. فإن مَن بحث فيها علم الضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي. أما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يُدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف. فأسمع أقوال الأنبياء، فقد جرًبوا وشاهدوا الحق فى جميع ما ورد به الشرع وأسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك فى منزلة النبوة الشريفة.
وهكذا ينتهج الغزالي مسلك التصوف لكى يتذوق النبوة فى تقليد الأنبياء حيث يقول: فى أثناء العزلة والخلوة بآن لى على الضرورة أن أدوية القلوب لا يُدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء. فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب.
وإنما فائدة العقل وتصرفه أن عرًفنا ذلك وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن إدراك ما يُدرك بعين النبوة.
ويتناول الغزالي أسباب ظهور التيار الإلحادي فى الإسلام من مبدأ الفتور بين الناس فى الاعتقاد بأصل النبوة وفى حقيقة النبوة وفى العمل بما شرحته النبوة. ولقد قسم أسباب الفتور إلى أربعة فئات هي:
1- الخائضون فى علم الفلسفة حيث يدعون أن الدين فقط من أجل ضبط العامة من الناس. فى حين يعتبرون أنفسهم فوق ذلك ومستغنون عن التقليد لأنهم من طبقة الحكماء يتبعون الحكمة.
2- الخائضون فى طريق الصوفية من أهل الإباحية. وقد توهموا بأنهم بلغوا مبلغاً ترقوا به عن الحاجة إلى العبادة.
3- المنتسبون إلى دعوى التعليم. وهم القائلون بأن الخلق مشكل، والطريق متعثر، والأخلاق فيه كثير. وعليه فإنه لا ثقة برأى أهل الرأي.
4- الموسومون بالعلم بين الناس: فمن العلماء المشاهير بين الفضلاء من لا يصلى أو يشرب الخمر. ومنهم من يأكل أموال الأوقاف واليتامى ولا يحترز عن الحرام. ومنهم من يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وإلى غير ذلك.
إن تفضيل طرق التصوف على طرق العقل فى البحث عن حقيقة النبوة تعكس حقيقة الغزالي نفسه الذى نشأ منذ طفولته على سلوكية دينية متصوفة. ومن الطبيعي أن تصل به بحوثه الفكرية فى الدين والفلسفة إلى مطاف التصوف. حيث كان يميل إليها أشد الميل فاعتنقها وآمن بها فكراً وسلوكاً. ولكن لولا العقل هل يصل الغزالى إلى مبتغاه.

رد ابن رشد
كما هو معلوم أن الغزالي قد أعترض على الفارابي وأبن سينا فى مسألة السببية ودحض أقوالهم. ثم جاء القاضي أبو الوليد محمد أبن رشد "520-595ه/1126-1198م" معترضاً على الغزالي ورد عليه حججه وأرجع للفلاسفة اعتبارهم. ففى المسألة السابعة عشر من "تهافت الفلاسفة" خالف الغزالي مبدأ السببية الطبيعية لإثبات المعجزات الخارقة للعادة عند بعض الأنبياء منه إحياء الموتى كما كان عند المسيح عيسى "ع". أو قلب العصا ثعباناً كما كان عند موسى "ع". وهذا ما دفع أبن رشد أن يرد عليه فى كتابه "تهافت التهافت" حيث يرى بأن دحض السبب يعنى دحض العلم.
إن إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد فى المحسوسات قول سفسطائي حسب تشخيص أبن رشد. كما وأن المتكلم بذلك إما جاحد بلسانه لما فى جنانه وأما منقاد لشبهة سفسطائية عرضت له مَن نفى ذلك بقدر أن يعترف أن كل فعل لابد له من فاعل.
أما القول فى الأسباب الذاتية التى لا يُفهم الموجود إلا بفهمها. فإنه يكون "للأشياء ذوات وصفات هى التى اقتضت الأفعال الخاصة بموجود موجود وهى التى من قِبَلها اختلفت ذوات الأشياء وأسماؤها وحدودها. فلو لم يكن لموجود موجود فعل يخصه لم تكن له طبيعة تخصه ولو لم تكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حدً وكانت الأشياء كلها شيئاً واحداَ ولا شيئاً واحداً". "تهافت التهافت ص 782-783". فالماء مثلاً له طبيعة أخرى تخصه وهو كونه مادة سائلة بها يكون الرًى والرطوبة. والنار لها طبيعة أخرى تخصها وهو كونها جسماً شفافاً به يكون الاحتراق والضوء فلو لم يكن لكل من النار والماء طبيعة تخصه لما كان له فعل يخصه ولكان الماء والنار شيئاً واحداً.
أما مسألة الاعتراض على معجزات الأنبياء: فشيء لم يقل به إلا الزنادقة من أهل الإسلام "يقصد ابن الراوندى والرازي وغيرهم". الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل فى مبادئ الشرائع ومن عرض له تأويل فى مبدأ من مبادئها ففرضه ألا يصرح بذلك التأويل.
يرى أبن رشد أن الغزالى وفق رأيه بأن الله قد خلق لنا علماً بأن هذه الممكنات لا تقع إلا فى أوقات مخصوصة. كأنك قلت: وقت المعجزة إلا أن العلم المخلوق فينا إنما هو أبداً تابع لطبيعة الوجود. فالصادق هو أن يُعتقد فى الشيء بأنه على الحال التى هو عليها فى الوجود. هذا الحال هى التى يتعلق بها علمنا ويعًبرون عنها بالعادة ويعًبر عنها الفلاسفة بالطبيعة.
كذلك علم الله بالموجودات وأن كان الله علة لهذه الموجودات. فهى تكون أيضاً ملازمة إلى علمه. وعليه لزم أن يقع الموجود على وفق علمه. فالوقوف على الغيب من قِبَل إعلام الله للنبى ليس شيئاً أكثر من الإطلاع على طبيعة الموجودات وهى تابعة للإرادة الأزلية والعلو الأزلي.
حصول العلم فى ما ليس عندنا دليل يتقدم عليه هو الذى يسمى للناس رؤيا وللأنبياء وحياً. فالمنامات والوحي كما قلنا إنما هى إعلام بطبيعة الموجودات.
بيد أن مبدأ السببية الذى يعارض خرق القوانين الطبيعية والذى التزم به أبن رشد إلى حد ما، جعله أن ينفى الخوارق والمعجزات. ولقد أشار فى كتابه "مناهج الأدلة" بأنه "يقضى العقل قضاء كلياً وباتاً على أن هذه الطبيعة لا يمكن أن تتغير ولا أن تنقلب". ولكن الذى ينكر المعجزات التى يقوم بها النبى فإنه قد قلل إيمانه فى قدرة الله على كل شيء.
حيث أن أبن رشد حاول سد هذه الثغرة فى فلسفته فذهب إلى تقسيم المعجزة إلى نوعين: معجز برًانى جعله طريقاً للجمهور فقط. ومعجز مناسب جعله طريقاً مشتركاً لكل من الجمهور والعلماء. الأول كناية عن الخوارق فى مفهومها المادي كالمشي على الماء، وفلق البحر وأحياء الموتى وقلب العصا ثعباناً. أما الثاني فهو المأخوذ من صلب الرسالة أو النبوة: وضع الشرائع الموافقة للحق فى العلم والعمل والإعلام بالغيوب. ونظم هو خارج عن النظم الذى يكون بفكر وروية أى أسلوب فى البلاغة ليس كأسلوب البلغاء المتحكمين بلسان النبي.
وهنا يجعل أبن رشد من العقل أن يكون فوق الوحي. فإذا أراد الفارابي وأبن سينا أن يجعلا من منزلة النبي والفيلسوف متساوية بالعقل. وإذا خص المعرى النبوة وجعلها مقتصرة على عقل الإنسان نفسه، فأن أبن رشد قد جعل من العقل هو الرقيب الوحيد على الوحي النبوي.
ويقول فى ذلك: "وكل شريعة كانت بالوحي فالعقل يخالطها. ومن سلم أنه يمكن أن تكون ههنا شريعة بالعقل فقط فإنه يلزم ضرورة أن تكون أنقص من الشرائع التى استنبطت بالعقل والوحي". مناهج الأدلة، ص 869.
ليس هذا فحسب، بل أن أبن رشد قد أنكر أيضاً مسألة العلم بالغيب عند النبي. وكل الذى أقر به هو معرفة النبي بالحوادث البعيدة من غير ما تأثير فيها أو فى أسبابها، وذلك عن طريق إطلاع النبي عليها بوحي من الله. وهذا الحرص على عدم تجاوز السببية لا داعي له طالما كان الأمر يتعلق بنبوة مرسلة من عالم إلهى فوق السببية نفسها. لأن الإيمان بالنبوة يجب أن لا يكون محدوداً بحدود القوانين المادية.

إحياء الأفغاني للنظرية
فى سعيه المتواصل لعملية الإصلاح والتجديد الديني، تطرق جمال الدين الأفغاني "1838-1897" إلى نظرية النبوة. فهو قد درس الفلسفة الإسلامية فى مدينتى النجف وكربلاء بالعراق، والتي تتناول فلسفة أبن سينا فى حوزتها العلمية. وفى زيارته الأولى إلى إسطنبول عام 1870، ألقى الأفغاني محاضرة عن "الفلسفة الإسلامية" حيث أبدى فيها ميوله نحو النهج الذي أتبعه الفارابى وأبن سينا وذلك بإعلاء الفلسفة إلى مستوى النبوة. مما أثار عليه سخط العلماء التقليدين وعلى رأسهم شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي الذى لم يكن مؤيداً لآراء وأفكار الأفغاني في مسألة إصلاح مناهج التعليم. فاضطر الأفغاني للعودة إلى مصر عام 1871.
على أية حال، يرى الأفغاني فى محاضرته بأن: الجسم الاجتماعي لا يحيا بدون روح وأن روح هذا الجسم هى الملكة النبوية أو الملكة الفلسفية. فالأولى هى هبة من الله. أما الثانية فهى تنال بالتفكير والدرس. وعليه فأن العقل هو المصدر إلى النبى والفيلسوف، غير أن الاختلاف الوحيد بينهما يكمن فى طريقة التعبير عن الحقيقة. فطريقة النبى تكون فى الرموز الدينية للعامة، بينما طريقة الفيلسوف هى المفاهيم الواضحة للخاصة.
وإذا رد الفارابي وأبن سينا والمعرى على ابن الراوندى والرازي. فإن الأفغاني قد رد على الحركة الإيرانية المتمثلة بالبهائية، وكذلك الحركة الهندية لأحمد خان "1817-1898". لأن تلك الحركتين تشكلان خطراً حقيقياً على عقيدة الأمة الإسلامية. فالبهائية تستعيض عن عقيدة النبوة بعقيدة الانبثاق، وهى بذلك تزيل التمييز بين الله الخالق والإنسان المخلوق. أما الطبيعية التى نادى إليها أحمد خان بعد زيارته إلى إنكلترا، فأنه قد نص على أن القرآن هو جوهر الإسلام لا الشريعة. كما ويجب تأويل القرآن وفقاً لمبادئ العقل والطبيعة. وكذلك بالنسبة إلى الأخلاق والحقوق يجب أن تكون قائمة على الطبيعة.
ورأى الأفغاني بأن هذه الحركة ليست أكثر من دسيسة بريطانية لإضعاف الإيمان وهدم وحدة المسلمين. ولقد فندهم بقوة فى كتابه: "الرد على الدهريين". وحسب تصوره بأن الأديان الحقيقية تقوم على ثلاثة حقائق هي:
أولاً: أن الإنسان ملك الأرض وأنبل خلق الله.
ثانياً: أن المجتمع الديني هو أفضل المجتمعات إطلاقاً.
ثالثاً: أن الإنسان أُرسل إلى هذه الدنيا ليحقق كماله استعداداً للحياة الأخرى.
وبما أن اليهودية والهندوسية تنكر المساواة بين البشر. وكذلك تنكر المسيحية على الجميع معرفة الحقيقة الإلهية باستثناء رجال الدين. وأن الإسلام يؤمن بالعقل ويشجع الناس على استعمال قواهم العقلية بحرية لثقته بأن ما لابد أن يكتشفوه بها لن يتعارض والحقائق المنزلة بواسطة النبوة. إذن فالعقل البشرى لن يحقق نفسه إلا بالإسلام. لأن الشريعة التي تسلمها النبي محمد "ص" من الله هي شريعة الطبيعة نفسها التي يمكن للعقل البشرى أن يتبينها من دراسة الكون.
أما سبب حاجة العقل البشرى إلى دور الأنبياء والرُسل في الحياة الإنسانية. فإن الأفغاني يرى بأن النبوة لها وظيفة عملية. حيث أن بعث النبي لإنشاء مجتمع فاضل والمحافظة عليه. وهناك نخبتان لقيادة المجتمع البشري، المرشدون الذين يضبطون الشهوات ويدلون على طريق الفضيلة، والمعلمون الذين ينورون الذهن. الأنبياء ينتمون إلى الفئة الأولى، بينما الفلاسفة ينتمون إلى الفئة الثانية.

إن عقلية الأفغاني لم تكن إصلاحية دينية فقط، بل فلسفية حديثة أيضاً. ففى الوقت الذى سار فيه على منوال الفارابي وأبن سينا فى التوحيد بين الفلسفة والنبوة، فأنه دعا إلى استعمال العقل فى تفسير القرآن وفق معطيات وعلوم العصر. فإذا كان هناك تناقض ما فعلينا أن نفسره رمزياً. لأن فى القرآن تلميحات لأشياء لم يكن بوسعه شرحها بشكل وافٍ، لأن العقول لم تكن مستعدة لذلك.
هذا ولقد أخذ الأفغاني من الفارابي فكرة المشاركة بين الحاكم والفيلسوف كبديل ثانٍ للحاكم الفيلسوف. كما وانه أتبع فكرة أفلاطون فى السعي لدى الحكام لإقامة الدولة الحقة. حيث تنقل الأفغاني بين الحكام المسلمين لعله يجد حاكماً يستطيع بواسطته على إقامة دولة الإسلام الصحيحة. لكنه لم يعثر على ضالته، إذ أما هناك حاكماً لم يطبع على العدل، أو حاكماً لا يريد حكم الشرع. كما وأن الحكام المسلمين كانوا يرومون منه على جمع الكلمة حول سلطتهم. فوجدوه أنه يهدف إلى تسخير سلطتهم لإقامة نظام إسلامي حقيقي موحد يواجه أوروبا الطامعة بأرض المسلمين. وبما أن طبيعته كانت إصلاحية ثورية، لذا كان الأفغانى ينقلب بعنف على الحاكم الذي يخيب أمله. ولقد ساعدت هذه الثورية على تقوية الحراك السياسي في العالم الإسلامي الحديث.

*كاتب وأكاديمى عراقى مقيم فى لندن

Peygamberlik Sanatlardan bir Sanattır şeklinde ifade edilen anlayışın felsefi kökenleri hakkında bir makaledir
Yayınlandığı Kaynak :
Yayınlandığı Dergi :
Sanal Dergi :
Makale Linki :